مقالات رأي

شيء وحيد لم تتناوله القمة العربية منذ انعقادها الأوّل سنة 1946..

Written by JOURNAL
نصرالدين السويلمي

هل تعلم اخي العربي اختي العربية، انه ومنذ اول انعقاد للجامعة العربية يوم 25 ماي من سنة1946، لم تتطرق في مداولاتها ولا بياناتها ولا مسوداتها الى وضع الشعوب العربية وحاجتها الى الحرية ومسالة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة وسلامة الافراد الجسدية وكرامة المواطن العربي وعلاقته بالبوليس، ولم تفك الارتباط الي اليوم بين مصطلح الدولة المدنية وبين العسكر، وان هذه الاشياء اللاحمة والحاكمة لا تعتبر عسكرة الدولة من نواقض المدنية، وان اكثر ما تناولته من اوضاع الشعوب في اجتماعاتها هو السعي الى لجمها عبر تمتين التعاون الامني، وتبادل المعلومات حول النشاطات السياسية والحقوقية، وهل تعلم ان هناك عصابات ايديولوجية ساعدت الانظمة على امتصاص دماء الشعوب واسهمت في تكريس دولة العسكر على حساب دولة الشعب، وانها عصابات جمعت بين الاجرام والغباء، فهي تستحسن دخول الدبابة الى البرلمان، ولا ترى غضاضة في تنصيب النياشين والسيوف المتقاطعة فوق القصور السيادية ولا حتى فوق اكوام الجماجم البشرية، هل تعلم ان غلمان “بيل بريزنج” وجواري “مدام كلود”، مستعدون الى مناصرة البيان الاول على حساب دولة الحق والعدل والحرية، وانهم يمارسون نواعا نادرا من الصوفية، يتمسحون على المدرّعات كما يتمسح البعض على القبور، و يتيممون على الاحذية السميكة ويشمونها بلهفة كما يشم المريد راس شيخه.

هل تعلم اخي العربي اختي العربية ان اكثر القضايا التي تناولتها القمم العربية، كانت الأكثر فشلا، فقد شرعت القمم منذ مؤتمر 46 في التركيز على القضية الفلسطينية، واجتمعت كلمتها على فلسطين عربية من النهر الى البحر، الى ان انتهى بها المطاف سن2018 بالتلميح للاعتراف بدولة اسرائيل من النهر الى البحر. ثم وبعد القضية الفلسطينية وبدرجة ثانية تآلف نشاز الملكية والسلطنة والإمارة و الجملوكية، على بناء كيانات وتحالفات جغرافية وعسكرية واقتصادية.. لم يصمد افضلها اكثر من عدة اشهر ليشرع في الانهيار، حتى ان بعض تلك التحالفات افضت الى عداوة مقيتة بين اطرافها، وصلت حد الاقتتال، وانتهت بمصالحة تاريخية بين الزعماء الى جانب جنائز كثيرة في صفوف الجنود والشعوب.

فيما ركزت الانظمة العربية بدرجة ثالثة على محاربة الارهاب، وتآلفت على اجتثاثه ووفرت لذلك كل اسباب الدعم، غير انه كان ثالث اكثر المحاور فشلا بعد القضية المركزية، ومشاريع التحالف المشوهة، فقد ضرب الارهاب كل دول الجامعة، من موريتانيا الى عمان ومن الصومال الى لبنان، ثم تم تصدير الفائض منه للخارج، من كابول ومركزها الثقافي الى نيويورك وابراجها ومن لندن وانفاقها الى باريس وقطاراتها مرورا بإسبانيا وليس انتهاءا بألمانيا. لقد كانت الانظمة العربية تحصن عروشها بالحديد والنار وتستعمل مخابراتها الامنية والعسكرية في ارهاب شعوبها وتركيعها وتحذيرها من مغبة التفكير في الكرامة وتتوعدها ان هي اقتربت من الشخصيات الخائنة التي تسعى الى نشر “سرطان” الحرية في صفوف المجتمعات الآمنة، بغرض بث الفتنة وتمزيق وحدة الامة.

كان الفشل نتيجة حتمية لنية الانظمة المبيتة، فلم يكن يهم هذا ” HIV” السياسي المتعطش للسلطة، غير ملاحقة الوعي الفردي والجمعي الذي يحاول بناء بعض حياة سياسية، ذلك الوعي الذي يسعى لإقناع حكام يحتكرون السلطة والمال، انهم ليسوا قدر الشعوب ، وان الجاه والمال لم يقتطعه الله خالصا لهم، وان اسماءهم لم ترد في البقرة ولا في آل عمران ولا في الانعام، ولا هي وردت في سفر التكوين ولا سفر عزرا ولا حتى في العهد الجديد او الوصايا العشر.


على مدى اكثر من نصف قرن فشلت الشعوب العربية في اقناع حكامها، بانهم ليسوا العدو الاول لهم، وان امكانية الصلح بينهم اقرب ما يكون، إذا توفرت الارادة واقتنعوا انهم بعض الشعب وليسوا كل الوطن، لكن مع الزمن تبين ان الامر من الصعوبة بمكان، واتضح ان الأنظمة العربية لا تتصنع البطش وانها مغلوبة على امرها، لان الجرائم التي تمارسها لم تأتي نتيجة قرارات او نية مبيتة، بل نتيجة حتمية لتركيبتها الجينية، ماذا تفعل انظمة تعيش خلاياها على دماء البشر؟ اذا كان الاكل والشرب والجنس من الحاجيات الفسيولوجية لدى الشعوب، فان السلطة والقمع من نفس الحاجيات لدى الانظمة.

ولان الشعوب تتعاون على البر والتقوى، والانظمة تتعاون على الفحشاء والمنكر، لذلك ومنذ انبعاث الجامعة دأب الماليك والجماليك على التعاون الوثيق لفضح العناصر والجماعات التي تتستر بالديمقراطية وحقوق الانسان من اجل الوصول الى السلطة، ووظفت في ذلك المال والاعلام والقوى الاجنبية الصديقة، لقد ابدع الملوك والرؤساء العرب في كشف العناصر العابثة التي تجرّأت على ممارسة السياسة بدون رخصة، وتلك الاشد اجراما التي طالبت بالتداول السلمي على السلطة، ولعمري أن تاريخ العرب حافل بإحباط محاولات الشعوب في انتزاع مصيرها من تحت سافلة الانظمة.

هل تعلم اخي العربي اختي العربية، ان القرار اليتيم الذي صدر عن القمم العربية ويهتم بالشعوب ،كان سنة 1946 وجاء فيه: “العمل على انهاض الشعوب العربية وترقية مستواها الثقافي والمادي لتمكنها من مواجهة أي اعتداء صهيوني داهم”، ومنذ ذلك الحين والمؤتمرات تكرسها الانظمة لتحشيد شعوبها وتجييش مجتمعاتها ضد المؤامرات التي تستهدف عروشها.