ليست التصريحات وحدها هي القضية بل احيانا يكون الاهم منها هو هالة التبرير التي يضعها البعض حولها عن جهل أو عن قصد والتي تكسيها ثوب المشروعية والمقبولية الظاهرة. ولعل ذلك الحال قد لا يختلف كثيرا عن موجة اللغط الذي مازالت تثيره مضامين الخطاب الاخير للرئيس التونسي خصوصا حول نيته التقدم بمشروع قانون حول المساواة في الارث.
لكن المعني المباشر بها الآن ليس سوى واحد من رجالات الظل في الدولة اي مفتي الجمهورية الذي لم يكن له في الاصل عدا في بعض الفترات المحدودة من تاريخها المعاصر دور بارز أومؤثر في سير الاحداث فيها. فحتى وظائفه القليلة كتحري الأهلة والاعلان عن دخول الاشهر القمرية واسناد شهادات اعتناق الإسلام كانت ومازالت تعد اعمالا ادارية اكثر من اي شيء اخر. ولأجل ذلك يبدو من الطبيعي ان نتساءل اليوم خصوصا بعد اعلان الرئيس التونسي في احتفالية المرأة ان لا مرجعية دينية لتونس عما بقي له ليقوم به في تلك الدولة التي وصفها الباجي قائد السبسي بالمدنية. فربما لن يطول بها الدهر حتى تنتبه إلى ان مبررات بقائه في منصبه الحالي فقدت تماما ولم تعد موجودة بعد ان صار بوسع اي تونسي ان يختار بمحض ارادته ما يشاء من حلال ومن حرام. وهنا فانها قد ترى من الصالح حفظا لذاكرتها ان تضعه في الارشيف الوطني أو تعرضه في متحف الآثار والحضارات ليكون شاهدا حيا على حقبة ولت وانقضت من تاريخ البلاد.
وقد تجرب العكس تماما وتوضبه وتجمله وتخضعه لدورات مكثفة لاعادة التأهيل يحفظ فيها الدستور كاملا وعن ظهر قلب عدى توطئته وفصله الاول بالطبع وينسى فيها كل الآيات القرآنية والاحاديث النبوية التي تعلمها في صباه والتي لن يعود بحاجة لها في مهمته الجديدة كرجل تشريع أو قانون أو اي مجال اخرغير الافتاء ان هي رأت من الصالح ان يظل موجودا في المرحلة المقبلة. فأمام الدولة المدنية الموعودة في تونس أكثر من سبيل للتعامل مع سماحة المفتي وأمامه بالمقابل ايضا اكثر من خيار ليستمر في التماهي الكامل معها أو يقطع عادته القديمة في التسليم التام لارادتها منتظرا بنفس راضية ومطمئنة كل التبعات والنتائج. لكن لا شيء يبدو واضحا حتى الآن في تلك الدولة التي اعاد الرئيس التونسي صياغتها واكتشافها الاثنين قبل الماضي بمجرد ان قرأ على الملأ فصولا منتقاة من الدستور من دون ان يشير من قريب أو بعيد للفصل الاول الذي يقول ان «تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها. لا يجوز تعديل هذا الفصل». فليس الحسم لحسن الحظ كما اعترف هو نفسه بذلك بيده وحده وهو على اي حال ليس ممكنا بعد من دون محكمة دستورية تحدد بالاساس ما هو دستوري وما هو غير دستوري. والى ان يحصل ذلك ويتضح الخيط الابيض من الخيط الاسود فلا وجود الآن على الاقل لما يدل على ان هناك من قد ينشغل لمصير الرمز الديني الرسمي أو لمستقبل ديوان الافتاء أو حتى لما تبقى من المجلس الإسلامي الاعلى. ولا شيء يوحي بالمقابل ايضا على ان سماحته قد يتردد أو يخرج عن طوع الدولة ويراجع ولو بعض مواقفه المعروفة منها. المشكل الوحيد هو انه لا يشكو من نقص أو عجز أو قصور عقلي أو بدني لا سمح الله. فعنده كل متطلبات العمل والرفاهة من المكتب الفخم إلى السائق والسيارة ووصولات البنزين وكل التشريفات التي تليق بكبار الموظفين السامين. ثم ان حالته الذهنية والصحية تبدو رغم اقترابه من الثمانين لائقة ومستقرة وعلى احسن وجه.
صحيح أنه يحصل ان يسافر مرات إلى بعض العواصم الغربية لحضور ندوات أو مؤتمرات فكرية تدور غالبا حول الموضوع العزيز على قلبه وهو التبشير بقيم التسامح والاعتدال في الإسلام الا انه لا معلومات تشير حتى الآن إلى انه موجود هده الايام في مهمة خارجية مثل تلك ولا دليل ايضا على انه يمضي داخل البلد اجازة تعبدية مطولة تجعله منقطعا عن العالم الخارجي وزاهدا عن كل مظاهر الدنيا وفتنها وحطامها الزائل. ومع ذلك فهو لم ينطق إلى اليوم حرفا واحدا حتى عندما نسف الرئيس بجرة قلم واحدة كل ما ظل معتبرا ثوابت ومسلمات لا يختلف حولها تونسيان اثنان. وهذا ما عقد الامور وجعل احتجابه المطول نسبيا يبدو بنظر الكثيرين غير مفهوم او مبرر بالمرة. فكيف يمكن ان يغيب مفتي تونس في مثل هذا الوقت الحرج بالذات وبمثل تلك السهولة والبساطة ؟ ربما كان الامر بالنسبة للتونسيين شكليا وثانويا فهم لا يعطون عادة لمثل ذلك الظهور اي قيمة أو اهمية ولا ينتظرون أو يتوقعون منه ان يحرك أو يؤثر ولو على قرار واحد من قرارات الدولة أو خياراتها. ولكنهم قد يرغبون مع ذلك هذه المرة ولو من باب الفضول ان يسمعوا ما الذي سيقوله الرجل الذي يهل عليهم مطلع كل هلال ليخبرهم غالبا بثبوت الرؤية ثم يتمنى لهم ولرئيسهم عيدا سعيدا أو صوما مقبولا بشأن خطاب الرئيس الاخير وهل انه يوافقه على طول الخط كما هي عادته في كل مقترحاته لا حول تعديل قانون الاحوال الشخصية فقط بل ايضا حول طبيعة الدولة المدنية التي تحدث عنها ووصفها بانها مقطوعة الصلة تماما بالدين والقرآن.
ان من يعدون انفسهم حداثيين يرغبون منه ان لا يطيل الحديث كثيرا وان لا يدخلهم في مطبات الفقه ويقول لهم فقط بالمختصر المفيد ان لا علاقة للدين باصلاحات الرئيس وبالحريات والحقوق الكونية وانه شأن داخلي محض يخص علاقة العبد بربه ولا ينظم علاقات المجتمع أو يتدخل في شؤونه. ومن يوصفون بالرجعيين والمحافظين يريدون ان يعرفوا بالمقابل ما اذا كان تأييده الصريح العام الماضي لخطوات الرئيس في الارث وفي زواج المسلمة بغير المسلم هو ما فتح الباب امامه وشجعه على المضي قدما في افكاره والتقدم بها بذلك الشكل الصادم وهل انه اي سماحة المفتي سيقبل بان لا تكون لتونس مرجعية إسلامية ؟. ولكن المفتي يلوذ بالصمت المطبق ولا يرغب بأن يقحم نفسه فيما يراها شؤونا لا تخصه بقدر ما تعني في المقام الاول والاخير ولي الأمر الذي وصفه العام الماضي بانه استاذ كل التونسيين وغير التونسيين. وربما لن يفرق معه كثيرا ان يحكم فيما يعرض عليه من قضايا واستشارات بما انزل الله أو بما انزل قائد السبسي مادام ذلك يضمن له البقاء بالنهاية باي شكل وفي اي موقع من دولة كان قبل الخطاب واحدا من رجالات الظل الذين صنعوا مقبوليتها الدينية الظاهرة ولعله يكون بعده ايضا واحدا ممن سيصنعون مقبوليتها المدنية الظاهرة في المستقبل.

٭ نزار بولحية :  كاتب وصحافي من تونس

Total 4 Votes
0

Tell us how can we improve this post?

+ = Verify Human or Spambot ?

حول الكاتب

JOURNAL