عانت المرأة التونسية في فترة الإستعمارالفرنسي، من تهميش كبير، أولا بسبب الإستعمار الذي يأبى تحرير الأوطان وثانيا بسبب المعتقدات الإجتماعية والأعراف السائدة التي تكبل المرأة وترفض خروجها للتعليم، بالإضافة إلى أن التعيلم لم يكن يحظى به غير فئة قليلة من الأكابر والوجهاء.

غير أن التاريخ يحفل بشخصيات كان لها الفضل الكبير في نيل المرأة التونسية حقها في التعليم، من ذلك المنصف باي، أحد أبرز الملوك الحسينيينالذين حكموا تونس طيلة 3 قرون متواصلة، واتصف بالوطنية وسلك منهجا إصلاحيا، يحسب له،  رغم أن فترة حكمه لم تدم إلا من 1942 إلى 1943م.

إجبارية التعليم لجميع التونسيين

وقد تولى المنصف باي العرش سنة 1942، بينما كانت ترزح البلاد التونسية، تحت وطأة الإستعمار الفرنسي، الذي بدأت بوادر الهزيمة عليه بعد هزيمته أمام الجيوش الألمانية، خلال الحرب العالمية الثانية.

ومنذ توليه الحكم، سارع المنصف الباي، إلى إرساء عدة إصلاحات بالبلاد التونسية والدفاع عن حركات المقاومة، كما قام بتوجيه مذكرة للحكومة الفرنسية تتضمّن 16 نقطة، تعنى بالمجتمع التونسي، في جميع المجالات، أبرزها جعل التعليم إجباريا بالنسبة لجميع التونسيين مع تدريس اللغة العربية في كل المدارس.

علاوة على مجموعة من المطالب، منها المساواة في المرتبات والأجور بين الموظفين التونسيين والفرنسيين، إلغاء المرسوم المتعلق بأراضي الأوقاف وحذف كل العقبات التي تمنع التونسيين من امتلاك أراض ريفية، ومشاركة السكان التونسيين بصورة فعلية في الدوائر المحلية والنشاطات البلدية.

كان ذلك في حدود سنة 1943، وقد أثارت هذه الخطوة من الباي التونسي، انتباه المستعمر الفرنسي، الذي لم يتعود على مثل هؤلاء الملوك والحكام الذين يأبون الرضوخ لإرادة المستعمر الأجنبي، وتبين لهم أنه حامل لمشروع إصلاحي وطني، خاصة بعد تشكيله حكومة تونسيّة دون استشارة السلطات الفرنسيّة.

فما كان منهم إلا ان أجبروه تحت الضغط على توقيع وثيقة التنازل عن العرش، في 6 جويلية/ يوليو 1943.

غير أن مقترحات المنصف باي، كان لها وقع  وطني بليغ، وكان أبرز تجليات ذلك إنشاء المدارس، وكان أولها  “مدرسة البنت المسلمة”، أشرف عليها الشيخ العلامة الزيتوني الشيخ محمد الصالح النيفر، سعيا لتعليم الفتيات و مُحاربة الجهل في عهد الإستعمار. وكان الدافع لذلك إيمان الطبقة التي قادت الكفاح الوطني وقتها، من بين علماء و طلبة الزيتونة، بدور العلم في تغذية الوعي لدى كافة أبناء الشعب والإرتقاء به للمطالبة بحقوقه وافتكاكها واستعادة سيادته.

 

مدرسة البنت المسلمة

قبل إنشاء مدرسة البنت المسلمة، أنشئت جمعية “السيدات المسلمات“،  انبثقت عن جمعية الشبان، في سنة 1945، لبث الوعي بين النساء.

وكانت تشرف عليها السيدة سعاد ختاش زوجة الشيخ محمد الصالح النيفر، بمساعدة جمع من النساء الواعيات والمثقفات، وقد ساهمت هذه الجمعية في إحداث صندوق للمعوزات من البنات لمواصلة دراستهن وتوعية المرأة الأمية وتعليمها عبر إحياء حفلات خيرية لتمويل مشاريعها، وتأسيس مدارس إسلامية لتعليم البنت التونسية وإعانة المحتاجات منهن على مواصلة التعليم.

وفي سنة 1947 بدأ بناء “مدرسة البنت المسلمة” الإبتدائية بنهج السراجين، التي مايزال صرحها قائما إلى اليوم. وأحدث الشيخ النيفر لها فرعا بباب الخضراء بنهج البشير صفر وأوكل لابنه ابنه محمد المرتضى لإدارتها، مع فرعيها الإضافيين بحمام الأنف وماطر.

كما أُحدثت رياض للأطفال بباب منارة وباب الخضراء. وساهم في هذا المشروع متبرعون أمثال الأخضر بن عطية، وهو فلاح ثري، ومحمد الصالح ختاش صهر الشيخ محمد الصالح النيفر والطاهر الأخضر المحامي وأحمد الباقوري وزير الأوقاف المصري وغيرهم من الميسورين من النخبة الوطنية.

وتم سنة 1953 إنشاء فرع للتعليم الزيتوني للبنات وكُلِّف الشيخ محمد الصالح بإدارته. وكانت الدراسة به تدوم سبع سنوات تفضي إلى الحصول على شهادة التحصيل بجزئيها (ما يعادل الباكالوريا).

كما دعم المنصف باي تعصير برامج التعليم الزيتوني عموما حتى أصبحت شهادة التحصيل تسمى شهادة التحصيل العصري.

مجلة ميم

 

Total 12 Votes
0

Tell us how can we improve this post?

+ = Verify Human or Spambot ?

حول الكاتب

JOURNAL