من بين صخب الأحداث السميكة  كالعمليات الإرهابية ومرض الرئيس والسجال حول المحكمة الدستورية، يبدو ان مكينة الشاهد اتخذت قرارها وقامت بإطلاق عملية انتخابية استعملت فيها التمويه لكن سرعان ما تكشّفت وتبينت حقيقتها، واتضح ان مكينة يوسف الشاهد التي انتدبها، اشترى بعضها واستأجر البعض الآخر، شرعت في التحرش بالنهضة واعتمدت في ذلك النسق التصاعدي، من خلال محاولة استفزاز الحركة عبر ملامسة محاور حساسة مثل القرار الانفرادي السريع حول النقاب واستغلال العملية الإرهابية وما تعنيه من إحالة على الظاهرة السلفية التي تحيل بدورها على النقاب، ثم الإمعان في استغلال الجريمة النكراء باتخاذ إجراءات ضد مدرسة الرقاب القرآنية، كل ذلك في سعي الى دفع النهضة كي تتصدر معركة الهوية، وإذا ما حافظت على هدوئها، فلا أقل من احراجها امام الذين يحمّلونها مسؤولية الدفاع عن القضايا التي تخص الثوابت وإن اختلف حولها المجتمع وتباينت بشأنها الآراء الفقهية. هذا الى جانب مناورات أخرى حدثت قبل اسبوعين كالحديث عن إعادة بعث لجنة بشرى وان الشاهد لديه قرارات جريئة سيعلنها في الحال، وغيرها من الشواهد التي تؤكد ان مكينة الشاهد أشعلت محركاتها وبدأت في التسخين قبل الانطلاق.

عندما تماسكت النهضة ولم تدخل في مجابهة مع الشاهد على خلفية قرار النقاب والمدرسة القرآنية وغيرها من الاستفزازات كالتلويح بأنه تلقى مسودات لمشاريع ثقافية مثيرة هو بصدد دراستها. لما استنكفت النهضة عن الدخول معه في مواجهة مفتوحة بات يرغب فيها بقوة، صعّدت المكينة وتيرة الاستفزاز وأعادت نشر تصريحات سابقة لرئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني في محاولة لتدشين جبهة اشتباك يحتاجها الشاهد لإعادة سيناريو 2013 الذي تسبب في كارثة اقتصادية للبلاد واجلى الاستثمار وشتت شمل الساحة واغرى القوى الاقليمية المتربصة بإطلاق تجارب انقلابية متعددة.. ويعود تصريح الهاروني الى 22 جوان الفارط، بينما أعادت طرحه وسائل إعلام تعمل لصالح الشاهد في محاولة لإطلاق معركة استرزاق من خصومة النهضة.

اذا يبدو ان الشاهد بصدد التخلص من هيئة رجل الدولة التي حاول تقمصها، ولم يعد يغريه العمل على بناء حزب البرامج والأفكار والنزول الى العمق المجتمعي ومخالطة ومخاطبة شرائح واسعة ومتنوعة من الناس، لم يعد هدفه بناء الأحزاب بطريقة علمية دارجة، بل اصبح كما الكثير، ينمي حزبه بعقّار “الضد” ليس الحزب القائم بذاته، وانما الحزب القائم على كره النهضة، وتلك عودة خطيرة الى مربع انهك تونس منذ 2012، المربع المريع الذي يقضي ببناء حزب يستقطب من هم ضد النهضة، وليس من يبحثون عن برامج اقتصادية والاجتماعية ناجعة، هذه الدعوة للاشتباك او التحرش بالنهضة عبرت عنها اخيرا الكثير من المنابر الإعلامية والأقلام التي تعمل لصالح رئيس الحكومة وحزبه، كما عبر عنها بوضوح الصحفي “المنتدب”، لطفي العربي السنوسي، الذي أكد على ذلك في مقال تحت عنوان ” هل سيخوض الشاهد معركته الانتخابية بعناوين هووية”، خصصه لحث الشاهد على الصدام مع النهضة كشرط لنجاحه في الانتخابات المقبلة، وجاء فيه “.. والسيد يوسف الشاهد سيدخل او سيسعى الى الدخول من نفس الباب الذي دخل منه الباجي قائد السبسي وقد بدأ ـ بالفعل ـ في تجهيز مفاتيح هذا الدخول وأولها قراره منع النقاب في المنشآت العمومية مستغلا في ذلك الوضع المأزقي الذي تمرّ به حركة الاخوان وعدم قدرتها على رد الفعل وليس لها غير الاختفاء وراء الصمت وابتلاع السكين بدمها.. قد ينجح الشاهد اذا ما خاض الانتخابات تحت عنوان هووي انتصارا للدولة المدنية ضد دعاة الدولة الدينية شرط ان يذهب عميقا في هذا الصراع فالناخبون لن يصدقوه في معركة بهذه العناوين .. ما لم يتحرك في اتجاه الملفات الكبرى العالقة بالاخوان.. فالقاعدة الانتخابية الكبرى التي يعول عليها الشاهد والتي كانت صوتت للباجي ولنداء تونس لن تُخدع مرة اخرى ما لم يتخذ الشاهد خطوات كبرى تستدعي جرأة وحسما نهائيا وبلا تردد..  وبالتالي فان السيد يوسف الشاهد مطالب ان اراد استعادة ثقة هذه القاعدة الانتخابية في معركته ضد خصمه الاخواني ان يحرّك كل ما بين يديه الآن ـ وبصفته رئيس الحكومة ـ من ملفات وخاصة المتعلقة بالفساد في فترة حكم الاخوان وملف الجهاز السري ـ وهو بين يديه ـ وملف الاغتيالات السياسية بما في ذلك عمليات الغدر بجنودنا في جبال سمامة والشعانبي زائد ملف المال مجهول المصادر الذي تلقته وما تزال جمعيات خيرية وقرآنية مشتبكة بحركة النهضة اضافة الى ملف تسفير الشباب الى بؤر التوتر والتغطية التي تحظى بها الجماعات الارهابية والتي نهض بعضها مؤخرا في تفجيرات العاصمة وحي الانطلاقة وملف الذخيرة النائمة في المساجد وغيرها من الملفات الامنية العالقة التي لم تجرؤ كل الحكومات على الاقتراب منها.. على الشاهد ان يكنس الطريق المؤدية الى الانتخابات التشريعية والرئاسية حتى تكون الرؤية اكثر وضوحا امام الناخبين.. ـ وقتها ـ لن يكون في حاجة الى تعديل القانون الانتخابي ولا الى قطع الطريق امام نبيل القروي ـ مثلا ـ.. وهذا كله يتطلب الكثير من الجرأة وعدم التردد في رمي الخص..”

اذا هي دعوة اجرامية صريحة الى استعمال مقدرات الدولة ليس لإضعاف حزب  منافس ومن ثم منافسته على قواعد مشتركة، بل للإساءة الى حزب ومحاولة تجريمه وتدميره من أجل استمالة خصومه ، وتلك اشنع انواع التمعش الحزبي، ولا نخال الشاهد بهكذا أجندة سيتمكن من التواجد على سطح سلطة 2020، حينها ستتعامل معه النهضة كاستئصالي مخادع، ويتعامل معه بقية المشهد الاستئصالي، كاستئصالي خائن، وإذا ما استعمل مع النهضة الاساليب القذرة ليتمعش من كراهيتها والنيل منها ، ستكون قيادة الحركة أمام عملية انتحار غبية في عين قواعدها إن هي قبلت بشراكة معه تحت تعلة المصلحة الوطنية المشتركة!!! أو أي تعلة أخرى، والذي عض يد حركة حالت دون انهيار حكومته، لن يتوانى في عض يد الوطن، بل عض الوطن ونهشه.

لا نخال الغباء نخر الشاهد الى درجة اصبح يحلم فيها بشراكة فوقية مريحة بعد انتخابات 2019 مع عبير موسي او القروي او حافظ قائد السبسي او الجبهة الشعبية أو عبيد البريكي.. والغالب أنه يمني النفس بشن حملة كراهية على النهضة، والإساءة إليها واثخانها، حتى يتمكن من تشكيل حزام استئصالي يحمله الى السلطة، ثم يعود بعد ذلك ليتوافق معها!!! هنا تتحول الكرة الى شباك النهضة، التي عليها أن تقطع عليها فورا هذا الوساوس القهري، و ان تبرق اليه برسالة واضحة مفادها انه طالق بالثلاثة إن هو لعب بذيله وتحرك بخبث في خاصرتها، بل انها لن تغفر له استعماله لمثقال ذرة من مقدرات السلطة في الاساءة اليها، وسترد اليه الكيل ان لم يكن بعد عام فبعد 10 أعوام.

تتحسب تونس من ضربة محتملة من الامارات، يبدو انها ستأتي من الشاهد، وستكون خطيرة ومنهكة لبلادنا التي تبحث عن التوازن في محيط متلاطم،  وليس أكثر خطورة على تونس وتجربتها وثورتها، من عقل انتهازي، يعود بها الى مربع 2013، ويحيي نعرة الكراهية العميقة الداكنة، ويحسّن من مناخات المشاريع الانقلابية، وإذا ما أقدم الشاهد على تنفيذ عملية تحشيد قذرة ، حينها وحتما سيكون قد انتحر سياسيا بسلاح الانتهازية.

نصر الدين السويلمي

Share
Total 6 Votes
3

Tell us how can we improve this post?

+ = Verify Human or Spambot ?

حول الكاتب

JOURNAL