رسالة مفتوحة من مواطن تونسي
إلى السيّد رئيس الجمهورية التونسيّة، الأستاذ قيس سعيّد.

هل يوجد رُبّان في سفينة تونس ؟

سيادة رئيس الجمهورية المحترم،
تحيّة كريمة من أعماق الأعماق تليق بشخصك وبمقامك وبمركزك،
وبعد،

لقد سُدّت كلّ المنافذ للوصول إليك، وإلى من يحيطون بك، بالنصح والرأي وبإبلاغك ما يخالج صدور الشعب الذي انتخبك وبإنارتك بجزء من إرادته. لذلك أجدني مضطرّا إلى مراسلتك على الملأ عبر هذه الرسالة المفتوحة.

 

سيادة رئيس الجمهورية المحترم،
لا يخفى عنك أنّ من أخطر أسباب غرق سفينة ما، هو غياب ربّانها عن قمرة القيادة، والغياب قد يكون غيابا فعليّا عمليّا وقد يكون غيابا إعلاميّا تواصليّا إخباريّا، أي عدم ظهوره لركّاب السفينة الذين هم في عهدته والذين لا يطلبون سوى بعض التطمينات المهدّئة لانشغالاتهم وتساؤلاتهم المشروعة. لا يتواصل معهم لا بخطاب مباشر مُطَمْئِن ولا عبر معاونيه ومستشاريه ولا عبر دوائر القيادة المقرّبة منه. غياب تواصليّ يشعر بسببه ركّاب السفينة، شيئا فشيئا، بعدم الطمأنينة وببداية دبيب الخوف والقلق والرعب بين صفوفهم، وحتّى ببداية شكّ، قد يتعاظم مع الزمن، في قدرة قائد السفينة عن القيام بمهامّه على أكمل وجه. هذا إن لم يكن الشكّ حتّى في متابعته للأحداث المتسارعة ناهيك عن الإمساك بخيوطها وخيوط أخطبوط من يقف وراءها…

سيادة رئيس الجمهورية المحترم،
تعيش تونس والشعب التونسي اليوم أوضاعا انتقاليّة حسّاسة بين مرحلتين : مرحلة ما بعد الانتخابات مباشرة وما ميّزها من منسوب الأمل العالي الذي استعاده على إثر انتخابك على رأس الدولة، أمل أعاد للشعب بريق الثورة ووعي الثورة وإرادة الثورة التي هي إرادة الشعب. ومرحلة انتظار لما ستؤول إليه أمور الدولة وللخطوات العمليّة الواضحة لتركيز دعائم التأسيس الثاني الذي وعدتَ به والذي استأمنك الشعب عليه وانتخبك على أساسه.

وتتّسم هذه الأوضاع الانتقاليّة أساسًا بما يلي :

– على المستوى الأمني والوضع العامّ : أوضاع أمنية خطيرة ومعقّدة ومتشابكة الأطراف تمسّ الأمن القومي وتتجاوز الأمن الداخلي البحت. فهي خارجة أصلا عن نطاق وصلوحيات وزارة الداخلية. بل حتّى إن كانت من مشمولاتها فيجب أن تخرج من تحت مسؤوليّتها وأن ترجع بالنظر إلى مجلس الأمن القومي لما شاهده الشعب من عدم مسؤولية وعدم جدّيّة وزارة الداخليّة في التعاطي مع تلكم الأحداث والتسريبات والاتهامات المباشرة لأطراف نافذة في الحكم والقضاء والإعلام، سابقا أم حاليّا.
ومن الأحداث الخطيرة التي تشوّش وتربك الرأي العام والشعب التونسي وتجعله قلقًا على أمنه القومي، أذكر ملفّيْن خطيريْن :
أوّلا، ملفّ سامي الفهري وما سُرِّب حوله من معلومات خطيرة تثبت تورّط أطراف فاعلة في الحكم والمعارضة والإعلام وقد تورّط حتّى القضاء من خلال طريقة وكيفيّة لفلفة الموضوع، ولو وقتيّا، وإطلاق سراح المتّهم الأوّل والمتورّطين معه والتحقيق لم يُغلق بعدُ في حين أنّ القرائن والإثباتات والوثائق المحجوزة تثبت، بما لا يدع مجالا للشكّ، إدانتهم حسب ما وقع تسريبه.
ثانيًا، تسريبات لمعلومات خطيرة عبر فيديوهات من عدّة جهات ومنها مسؤولون أمنيّون وطنيّون شرفاء وقع اتّهامهم بشكل متسرّع ومثير للريبة، من جهات رسميّة، بالخَبَل والهَوَس ومرض الأعصاب. الشيء الذي يثير تساؤلات عديدة مشروعة وخطيرة حول مؤسّستنا الأمنية الداخليّة التي يعلم الشعب أنّ فيها الكثير من الشرفاء والوطنيّين المخلصين.

– على المستوى السياسي : تخبّط كبير حول تشكيل الحكومة في إطار المناكفات السياسيّة غير الجدّيّة وغير البنّاءة، ما يوحي بأنّ تشكيل الحكومة قد لا يحصل في المدّة الدستوريّة المحدّدة بشهرين. تخبّط ساهم فيه بقسط معيّن ما سبقه، قبل التعيين الرسمي من قِبل سيادتك كرئيس للجمهورية، من اختيار اسم الشخصيّة السياسيّة القادرة على قيادة المرحلة على مستوى الحكومة. وأنا هنا لا أطعن في دستوريّة أن يؤول الأمر إلى الحزب المتحصّل على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان ولا في أحقّيّة هذا الحزب في اختيار وتعيين من يراه الأنسب للمنصب، ولكنّي أفرّق بين الأحقّيّة الدستوريّة والضرورة السياسيّة في اعتماد الاختيار على قراءة سياسيّة سليمة لمتطلّبات الظرف الحالي الذي تمرّ به البلاد، واعتبار التناغم الضروري الذي يجب أن يكون بين مواصفات الشخصيّة المكلّفة والتي يجب أن تكون قويّة بما يضمن تطبيق سياسة التغيير المنتظرة، من ناحية، والتوجّه السياسي لرئيس الجمهوريّة الذي انتخبه على أساسه الشعب المتمثّل في القطع مع المنظومة القديمة وإرساء دعائم التأسيس الثاني، من ناحية ثانية. فلا ننسى أنّ نظامنا السياسي الجديد يقوم على رأسيْن تنفيذيّتيْن تمثّلان، معًا، السلطة التنفيذيّة.

– على المستوى التشريعي : تذبذب كبير وخلط مُشين للسيّد رئيس مجلس نوّاب الشعب المنتخب، والذي لا يزال إلى الآن رئيس حزب سياسيّ، بين منصبه الرسمي على رأس البرلمان ووظيفته الحزبية كرئيس للحزب الحاصل على أعلى نسبة من المقاعد في الانتخابات التشريعية. بل إنّ جلّ تصريحات رئيس البرلمان/رئيس الحزب الإعلامية الأخيرة لم تكن بصفته الرسميّة البرلمانية بل بصفته الحزبية السياسيّة حيث لبس فيها قبّعته الحزبية وخلع عنه القبّعة الرسميّة، هذا إن لم يلبسهما الاثنتيْن معًا مُحْدِثا بذلك خلطا مُؤسفا بين المهمّتين !

– على مستوى الرأس الأولى للسلطة التنفيذيّة، رئاسة الحكومة : غياب لرئيس حكومة تسيير الأعمال وانشغاله بالقيام بتعيينات “الوقت الضائع” لأصدقائه ومواليه وعشيرته السياسيّة في مناصب حسّاسة في الدولة والإدارة والشركات الحكومية وشبه الحكومية. تعيينات غريبة ومريبة ومشكوك في قانونيّتها يجب على رئيس الحكومة المكلّف، وكذلك على رئيس الجمهوريّة، مراجعتها مراجعة كاملة وإلغاء ما ثبت عدم مطابقة القوانين منها وما تبيّن منها أنّه يقوم على المحسوبيّة والحزبيّة وردّ الجميل.

– على مستوى الرأس الثانية للسلطة التنفيذيّة، رئاسة الجمهورية : غياب إعلاميّ وتواصليّ رهيب لسيادة رئيس الجمهورية تجاه الشعب. غياب يزيد من حيرة الشعب التونسي حول ما يجري من مساس خطير بأمنه القومي. غياب غير مفهوم بتاتا في وقت ينتظر عوضه الشعب أن يسمع كلام رئيسه حول ما جرى ويجري في البلاد في ما يخصّ شبكات إرهابية رفيعة المستوى في الدولة وفي البلاد من ساسيّين وأمنيّين وإعلاميّين. الشعب ينتظر سماع كلام الرئيس مباشرة عبر خطاب مكتوب أو مسموع أو مرئي، كلاما لا يدخل في التفاصيل المضرّة بالأمن القومي، بل كلاما مطمئنا يؤكّد وجودًا فعليّا لرئيسٍ متابعٍ للوضع وممسكٍ بمقود الأمن القومي للبلاد.

سيادة رئيس الجمهورية المحترم،
إنّ الأوضاع الأمنيّة خطيرة جدّا والشعب حائر أيّما حيرة وتخترق ذهنه العديد من التساؤلات حول الأمن القومي في ظلّ معلومات غزيرة يقع تسريبها وفيديوهات من هنا وهناك. لقد بدأ الشك يدبّ في أوساط الشعب حول ما إذا كان هناك ربّان يمسك بقيادة سفينة تونس وقد يصل الأمر حتّى إلى شكّه في قدرة الرئيس على التعامل الفعّال مع مسائل تمسّ الأمن القومي !

سيادة رئيس الجمهورية المحترم،
أعرف جيّدا، ويعرف الشعب التونسي أنّك أعلنت على أسماع الشعب التونسيّ والعالم، أثناء الحملة الانتخابيّة، ذاك المبدأ العظيم والسليم والذي يبيّن مدى مسؤوليّتك ونظرتك الثاقبة والمبدئية، الذي ينصّ على عدم التعاطي مع مسائل الأمن القومي في الإعلام وفي العلن، وهذا شيء إيجابي ومحترم ومحمود، غير أنّ ما أطلبه من سيادتك وما يطلبه الشعب التونسي هو أن تتواصل مع الشعب مباشرة، كرئيس لكلّ التونسيّين ومتابع لمشاغلهم، لا لأن تكشف لهم تفاصيل السياسات الأمنيّة التي رسمها مجلس الأمن القومي ولا لأن تطلعهم على مخطّطات مقاومة الإرهاب المنظّم وخاصّة السياسيّ منه، ولا حتّى لأن تُعلمهم بما يدخل ضمن صلوحيّات مجلس الأمن القومي وما هو من مشمولات وزارة الداخلية في ما يخصّ القضايا الأمنية ذات العلاقة بالأمن القومي أو الأمن الداخلي… ولكن فقط أن تتفضّل بإعلام شعبك، من انتخبك ومن لم ينتخبك، أنّ رئاسة الجمهورية ومجلس الأمن القومي يتابعان هذه القضايا الخطيرة وأنّ هناك من يسهر على سلامة هذا الوطن من أعداء الداخل والخارج. الشعب ينتظر منك يا سيادة الرئيس أن تعلمه، مجرّد الإعلام، على الأقلّ أنّ مجلس الأمن القومي يقوم بالإجراءات الأمنية، وربما في ما بعد القضائية، اللازمة من أجل حماية أمن تونس القومي وسلامة ترابها وشعبها. لا أحد يطلب منك يا سيادة الرئيس أن تعطي تفاصيل ولا خططا، لكنّ من حقّ الشعب أن يعلم أنّ رئيسه متابع للوضع وممسك بملفّات القضية وساهر على المضيّ قُدُما في تطهير البلاد من العابثين بها من إرهابيّين وفاسدين وعملاء… هذه من أوكد متطلّبات إرادة الشعب، وإرادة الشعب من إرادة الله وإرادة الله لا تُقهر !

أرجو أن تصلك هذه الرسالة، يا سيادة رئيس الجمهورية المحترم، وأن تأخذ بما تراه فيها من نصائح على محمل الجدّ، وأنا لا أشكّ في ذلك قيد أنملة.

تحيّاتي القلبية الحارّة وتمنّياتي الخالصة لك بالتوفيق والسداد وحفظ الله وحمايته.

 

Share
Total 0 Votes
0

Tell us how can we improve this post?

+ = Verify Human or Spambot ?

حول الكاتب

JOURNAL