لا يمكن الإطناب في لوم السيد الحبيب الجملي على حالة الانسداد التي وصلت إليها المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة، لأن المشهد من أصله يعاني من حالة نشاز واضحة، بعد أن تعنتت القوى السياسية الثانوية ورفضت التعامل مع حكومة طبيعية يتم تشكيلها من الحرب الفائز، وايضا بعد ان استحال التوافق بين القوى الاساسية الفائزة بالاستحقاق التشريعي الاخير، ونعني حركة النهضة وقلب تونس.
وان كان البعض يأخذ على السيد الجملي اطنابه في توسيع دائرة المفاوضات، والذهاب الى اسماء “هزلية” أحالت المشاورات إلى مشهد ساخر، إلا أن طبيعة الاستقلالية المنشودة ورغبة الجملي في التخلص من شرط الحزب الأول القاضي بعدم الدخول في مشاورات شراكة مع قلب تونس، دفعت رئيس الحكومة المكلف إلى البحث عن بدائل اخرى غير تقليدية، ويبدو أنه جنح الى استفزاز النهضة من خلال التنسيق مع شخصيات راديكالية استئصالية، ويبدو أن النهضة ردت على استفزازات الجملي بانتهاج البرود وربما التجاهل في التعاطي مع طرحاته، وكأنها تبرق برسالة إلى “الشركاء الخصوم”، تفيد بأنها استجابت لهم وقدمت الشخصية المستقلة المطلوبة، والبقية عليهم! وهي تدرك ان التيار والشعب لن يقبلا بالقلب في حكومة الشخصية المستقلة، مثلما لم يقبلا بالشخصية النهضاوية لتشكيل حكومة طبيعية.
هذا المشهد المخروم، الذي استعصى حتى على إعداد توليفة حكومية بريكولاجية الملامح، وهذا الارتباك والارتجال الذي يخيم على المفاوضات، كلها مؤشرات تؤكد أن الحكومة كان يجب أن تكون طبيعية منبثقة من رحم نتائج الانتخابات التشريعية، وان تعذر فلا أقل من حكومة ترميمية منبثقة عن التعيين الرئاسي، ولما استحال اعتماد حكومة مسنودة بنتائج 6 أكتوبر 2019، أصبح لا مناص من حكومة مسنودة بنتائج 13 اكتوبر.
رغم كل المجهودات التي بذلها السيد الحبيب الجملي، يبدو أننا نتحرك نحو اعادة الامر برمته الى رئيس الجمهورية في جولة دستورية ثانية، ولعلنا بصدد الدقائق الاخيرة في عمر محاولات الجملي، ولعلنا على بعد امتار من عودة الولد الحالم الى الواجهة، ذلك الذي نجح في التمرد على السبسي كما نجح في التقرب من قيس سعيد! ولد يلوح يحسن استغلال الفضاءات التي ما فتئت تتركها القوى الفائزة، ولد يحسن يشعل قنديل حلمه من شرر احتكاكات الشركاء الأعداء.

نصرالدين السويلمي

(موقع ميديا بليس)

Share
Total 0 Votes
0

Tell us how can we improve this post?

+ = Verify Human or Spambot ?

حول الكاتب

JOURNAL